فوزي آل سيف
18
نساء حول أهل البيت
فركب الغلام وسار بقية يومه وليلته من واسط إلى الكوفة فصبحها فدخل الحبس متنكراً وأخبر الكميت بالقصة. فبعث الكميت إلى امرأته فقص عليها القصة وأن عليها لكي تنقذه أن تبقى مكانه بينما يلبس ثيابها ويخرج متنكراً ، حتى لا يعرف ، وقال : أي بنية عم اعلمي ان الوالي لا يقدم عليك ولا يسلمك قومك ولو خفته عليك لما عرضتك له . فألبسته ثيابها وإزارها وخمّرته ، وقالت : أقبل وأدبر ففعل . فقالت : ما أنكرت منك شيئاً إلا يبسا في كتفيك اخرج على اسم الله !! وأخرجت معه جاريتين لها فخرج ، وعلى باب السجن أبو الوضاح حبيب بن بديل ومعه فتيان من أسد فلم يؤبه له ومشى الفتيان بين يديه إلى سكة شبيب بناحية الكناس فمر بمجلس من مجالس بني تميم فقال بعضهم: رجل ورب الكعبة !! وأمر غلامه فاتبعه ، فصاح به أبو الوضاح : يا كذا وكذا ( يشتمه ) أراك تتبع هذه المرأة منذ اليوم !! وأومى إليه بنعله فولى العبد مدبراً ، وادخله أبو الوضاح منزله ولما طال على السجان الأمر نادى الكميت فلم يجبه فدخل ليعرف خبره ، فصاحت به المرأة : وراءك ..لا أم لك !! فشق ثوبه ومضى صارخاً إلى باب خالد فاخبره . فاحضر حُبّى فقال لها : يا عدوة الله احتلت على أمير المؤمنين وأخرحت عدو أمير المؤمنين ؟ لأنكلن بك ولأصنعن ولأفعلن !! فاجتمعت بنو أسد وقالوا: ما سبيلك على أمرأة منا خدعت فخافهم . واستطاعت هذه الزوجة الشجاعة أن تنقذ حياة زوجها إلى حينٍ . حيث أنه بعدما هرب من ذلك السجن وعلم أنه مطارد من قبل الخلافة الأموية استطاع أن يتعامل معهم بنفس منطقهم فاستجار بقبر أحد كبارهم ممن يعز على الخليفة الأموي وأنشد فيه بعض أبيات المدح ، والقصائد تقية وحفاظا على حياته [23]. إلى أن دارت الدائرة على ( خالد القسري )
--> 23 ) العجيب من بعض الأعلام ـ على ما هو عليه من الجلالة ـ عندما لم يتوجه إلى لحن كلام الإمام الباقر ( فتصوره عاتب الكميت واعترض عليه ، بينما كان الإمام في صدد إقرار ما فعله الكميت ، بل هو يقرر بذلك قاعدة عامة في تجويز القول بالتقية ، فانظر متعجبا إلى ما قاله آية الله ناصر مكارم الشيرازي في كتابه القواعد الفقهية ج 1/ 416: تحت عنوان : لا يجوز التقية في فساد الدين : ومنها - ما رواه " الكشي " في رجاله عن درست بن ابى منصور قال كنت عند ابى الحسن موسى ( عليه السلام ) وعنده " الكميت بن زيد " فقال للكميت انت الذى تقول : فالان صرت إلى امية - والأمور لها مصائر ؟ ! قال : قلت ذلك وما رجعت عن إيماني ، واني لكم لموال ولعدوكم لقالٍ ، ولكني قلته على التقية ! قال ( : أما لئن قلت ذلك.. ان التقية تجوز في شرب الخمر ! وهذا يدل على اعتراض الإمام ( على الكميت في شعره الذى معناه " الان رجعت إلى امية وأمورها الان إلى ترجع " فانه مدح بالغ لهم ودليل على رجوعه إليهم بعد ان كان معروفا بالموالاة لائمة اهل - البيت عليهم السلام . ولكن الكميت الناصر لأهل البيت ( عليه السلام ) بقلبه وبلسانه اعتذر بانه انما قالها بلسانه تقية وحفظا لظواهر الأمور ، واما الإمام ( عليه السلام ) لم يقنع بعذره فاجابه بان باب التقية لو كان واسعا بهذه الوسعة لجاز في كل شيء تقية حتى في شرب الخمر ، مع انه لا يجوز . فهو دليل على عدم جواز التقية بمثل هذا المدح البالغ لبنى امية الجائرة أو اظهار المحبة لهم ، وهذا من مثل الكميت الشاعر البارع المشهور بحبه للائمة ( عليه السلام ) قد يوجب تقوية لدعائم الكفر والضلال وتأييدا لبقية احزاب الجاهلية واشياعهم ، فلا يجوز له ، ولو جاز انما جاز في شرايط ووظروف بالغة الخطورة لا في مثل ما قال الكميت فيه ، فلذا واجهه ( عليه السلام ) بالعتاب . أقول : الظاهر من الحديث هو خلاف ما ذهب إليه الشيخ الجليل ، فليس ذلك عتابا وإنما هو تأييد وإمضاء لما ذكره ، ولا أظن أنه يلتزم بأنه لو كان التقية بحد الحفاظ على النفس في شرب الخمر ، لا أظنه يلتزم بعدم جواز شرب الخمر لذلك .. نعم ورد عنهم عليهم السلام أنهم ـ هم ـ لا يتقون في ثلاث من جملتها شرب الخمر ، وقد حملها علماؤنا على محامل شتى منها أن هذا حكم خاص لهم ولذا ذكر زرارة في ذيل أحد الأحاديث أنه : ولم يقل يجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدا ، ومنها أنه لا يُقبل منهم باعتبار أن مذهبهم في تحريمه معروف ، فليس موضعا للتقية .. وغير ذلك ، وأما ما ذكر في تعليقه على الحديث المذكور فلا يمكن المساعدة عليه ولا الركون إليه . كيف وقد جازت التقية لمثل عمار حتى أظهر كلمة الكفر ، وهي أعظم من شرب الخمر !! بل ورد في روايات أخرى أن التقية في كل ضرورة . هذا بغض النظر عما في الرواية التي تم الاستدلال بها ، فإن درست بن أبي منصور ، يقول كنا عند أبي الحسن موسى وكان عنده الكميت فقال للكميت كذا .. هذا مع أن الكميت بن زيد الأسدي هو من أصحاب الإمام الباقر ( ولم يدرك الإمام موسى بن جعفر الكاظم ( ، إذ مات مقتولا بيد أنصار خالد بن عبد الله القسري سنة ( 129 هـ ) كما اشار إليه غير واحد من المؤرخين ونص ابن معصوم في الدرجات الرفيعة على أنه استشهد سنة 126 هـ ، وذكره الأردبيلي قدس سره في جامع الرواة الجزء الثاني قائلاً : مات في حياة أبي عبد الله الصادق ( .. فعلى أي تقديرهو لم يدرك الإمام موسى بن جعفر ، ولذا أشار آية الله الخوئي رحمه الله في معجم رجال الحديث بعد أن نقل الرواية المذكورة إلى أنه قد مات في حياة الصادق ( قائلاً ، بأنه لو صحت الرواية ففيها تحريف لا محالة .